يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
130
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
وراء : وأما وراء وراء : فالواو فيهما أصلية ، و : وراء : ضد قدام ، وتشبهها في التأنيث ، وليس في ظروف المكان مؤنث غيرهما يظهر ذلك في التصغير . تقول قديديمة ووريئة قال الشاعر : قديديمة التجريب والحلم إنني * أرى غفلات العين قبل التجارب وتصغر أيضا ورية . و : وراء من الأضداد ، تكون بمعنى خلف وأمام ، ولذلك فسر قوله تعالى : مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ [ الجاثية : 10 ] وكذلك : مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ [ إبراهيم : 16 ] لأنه مشتق من التواري والاستتار ومنه وري بكذا ، وسيأتي بحول اللّه . وكذلك قالوا في قوله : وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [ الكهف : 79 ] أن معناه أمامهم ، وكذلك قرأها ابن عباس رضي اللّه عنهما : ( وكان أمامهم ) . ذكره مسلم والبخاري . وجاء في الحديث من هذا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذكر الحتوف التي تصيب ابن آدم وقال في آخره : إن أخطأه هذا كان من ورائه الهرم . ويستشهد على ذلك بقول لبيد الذي تقدم : أليس ورائي إن تراخت منيتي البيت ، وبقول الشاعر : عواصي إلا ما جعلت وراءها * عصا مربد يغشى نحورا وأذرعا فهذا معنى أمام . ألا تراه يقول : يغشى نحورا وأذرعا . يقال : لقيته وراء فرفعه على الغاية كما تقول : من قبل ومن بعد . لأنه غير متمكن . قال الشاعر : إذا أنا لم أو من عليك ولم يكن * لقاؤك إلا من وراء وراء ويقولون : وراءك أوسع لك ، نصبوه بالفعل المقدر وهو تأخر . وقال صاحب الغريبين : زعم أبو عبيدة وأبو علي قطرب أن وراء في معنى قدام ، وهو من الأضداد . وهذا غير محصل إلا أن الأمام ضد ورا ، وإنما يصلح هذا في الأماكن والأوقات ، كقول الرجل إذا وعد وعدا في رجب لرمضان ، ثم قال : من ورائك شعبان ، جاز وإن كان أمامه ، لأنه يخلفه إلى وقت وعده . ومنه قول لبيد : أليس ورائي إن تراخت منيتي البيت وقد تقدم . يريد أمامي . ويكون وراء أيضا بمعنى بعد كما قال النابغة : حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وليس وراء اللّه للمرء مذهب أي ليس بعد اللّه .